“يا محمد يا زر الورد”


وفا- إيهاب الريماوي
ينادي محمد الذي لم يتجاوز الثلاث سنوات على والده الشهيد مجاهد حامد (32 عاماً) المسجى أمامه في ساحة منزلهم في بلدة سلواد شرق رام الله، “بابا بابا.. يلا قوم”!.

كان محمد قبل أن يصل جثمان والده الذي اغتالته قوات الاحتلال الاسرائيلي مساء أمس الأربعاء في بلدة دير دبوان، يجلس في حضن والدته، ويلهو على هاتف أمه يشاهد مقاطع فيديو، وسط عشرات النسوة اللواتي قدمن لمواساة العائلة المكلولة.

فجأة علت أصوات تكبيرات الشبان الذين يحملون على أكتافهم جثمان مجاهد، والقادمين من الشارع المحاذي للمنزل المفضي إلى طريق ترابي يؤدي إلى منزل ذوي الشهيد الذي علق على واجهته يافطة كبيرة تحمل صورة مجاهد.

“وصل مجاهد.. وصل مجاهد”.. ردد أطفال لا يتجاوز أكبرهم خمسة سنوات، حين وصل جثمان الشهيد، “بالروح بالدم نفديك يا شهيد”.

نزل محمد من حضن والدته بيان حمّاد، حمله عمه عبد الحميد الذي تشبث به بكل أوتي من قوة كلما اقترب المشيعون، وارتفعت صيحاتهم.

وما أن وصل المشيعون بمجاهد حتى صاحت زوجته الحامل في شهرها الرابع، “هاتوا محمد يودع أبوه”، جيء بمحمد الذي كان يرتدي أجمل ثيابه، بدا مفزوعاً غير مدرك لما يدور حوله، يبكي بشدة، ينادي على أمه التي احتضنته ثم اقتربت به إلى رأس والده، وراحت تقول: “هذه آخر مرة يمّا، أبوك شهيد، أبوك شهيد يا محمد”.

سجي الشهيد في ساحة المنزل الذي أصر والده قبل ثلاث سنوات أن يشيديها لتكون واسعة لاستقبال نجله الأسير مجاهد، والذي كان يدنو موعد الإفراج عنه من سجون الاحتلال بعد قضائه تسع سنوات.

يسبق محمد المشيعون إلى داخل المنزل، الذين أدخلوا جثمان الشهيد إليه بعد أن أصرت والدته شهلة حامد المنهارة أمام جثمان نجلها الأوسط بين أبنائها، أن يتم توديعه للمرة الأخيرة على سريره، وحين انتهي من تودعيه وقفت والدته مودعة في ساحة البيت مرددة: “الله معك يمّا.. رح تظل حي في قلبي”.

تحتضن مريم (10 سنوات) التي تبكي بحرقة، شقيقة الشهيد، والدتها وشقيقتها الأكبر وتلف نفسها بالعلم الفلسطيني، تقول: الله يرحمك يا أخوي يا مجاهد، ويتقبلك، أنا الوحيدة المتماسكة، لأني بعرف انه مجاهد رايح على الجنة، وهو بحبني”.

حرم الاحتلال والده محمود وشقيقه خالد من وداعه بعد أن تم اعتقالهما فجر اليوم، فيما أن شقيقه البكر جمعة مغترب في الولايات المتحدة الأميركية، وودعه بعد أن فتح له المشيعون كاميرا لهاتف أحدهم.

قبل استشهاد مجاهد بثلاثة أيام، تقول والدته، إنه ذهب مع والده لفلاحة الأرض وزراعتها، حيث كان مجاهد ابناً مقرباً من أبيه، حنوناً عليه لا يتركه.

مجاهد الذي ولد في التاسع والعشرين من تشرين أول/ أكتوبر عام 1990، اُعتقل عام 2010، وحُكم عليه بالسجن مدة 7 سنوات، وبعد قضائه ثلاث سنوات تم رفع الحكم إلى 9 سنوات، وخلال فترة اعتقاله نُقل إلى عدة سجون، وأنهى دراسة الثانوية العامة داخل سجون الاحتلال، كما اعتقلت قوات الاحتلال، خلال مكوثه في السجن، والده وشقيقه لمدة عام.

وفي 21 أيار/ مايو 2019 أنهى الأسير حامد فترة محكوميته، وأفرج عنه، وبعد خروجه التحق بدراسته الجامعية، وتزوج ورزق بطفل، ولم يلبث أن يفرح بولادة طفله حتى أعاد الاحتلال إداريا بتاريخ 22 أيلول/سبتمبر 2020، حيث كان عمر ابنه شهرين. وأصدر حينها عليه حكماً بالسجن الإداري لمدة 6 أشهر، وتم تمديها 6 أشهر أخرى، وعند تجديد الأمر الإداري الثالث قرر الأسير خوض الإضراب عن الطعام رفضاً لسياسة الاعتقال الإداري، والذي استمر 43 يوماً، أنهاها بالتوصل إلى اتفاق للإفراج عنه، وفي يوم إضرابه الواحد وأربعين أدخل إلى زنزانة باردة جداً، تعرض على أثرها للإغماء، وحول إلى المستشفى، حيث أخبره الأطباء انه كاد أن يفارق الحياة لأن قلبه قد توقف.

أما بيان زوجة الشهيد مجاهد فهي تعرف الفقد منذ ثمانية سنوات، أي منذ استشهاد شقيقها عروة حمّاد في الرابع والعشرين من شهر تشرين أول/ اكتوبر 2014 خلال مواجهات اندلعت على مدخل سلواد الجنوبي، بعد إصابته برصاصة في الرقبة، وشيّع بعد يومين حيث كان والده خارج البلاد.

ــــ

إ.ر
https://www.wafa.ps/Pages/Details/60766

اترك رد