من جزّ العشب إلى منع الإنبات: تحوّلات السياسة الأمنية الإسرائيلية في الضفة

لم تعد السياسات الأمنية الإسرائيلية تُبنى على التعامل مع الفعل المقاوم بعد وقوعه، بل على ملاحقة احتماله قبل أن يولد. هذا التحول يعكس قناعة متزايدة لدى الاحتلال بأن الخطر الحقيقي لا يكمن في عملية هنا أو مجموعة هناك، بل في البيئة الفلسطينية القادرة على إنتاج الفعل، وصياغة المعنى، وتحويل الغضب إلى مشروع. من هنا يمكن فهم الانتقال من سياسة “جزّ العشب”، التي هدفت إلى إدارة المقاومة وتقليص كلفتها، إلى سياسة أكثر جذرية يمكن تسميتها سياسة منع الإنبات؛ سياسة تستهدف البذرة قبل أن تصبح عشبا، والوعي قبل أن يتحول إلى فعل.

في فلسفة “جزّ العشب”، التي سادت خصوصًا خلال الانتفاضة الثانية وما بعدها، كانت إسرائيل تتعامل مع المقاومة باعتبارها ظاهرة دائمة لا يمكن إنهاؤها، بل فقط إدارتها. تُنفَّذ ضربات دورية، تُضعف البنية التنظيمية، تُرفع الكلفة، ثم جزه كلما نمى من جديد. كان هذا المنطق يقوم على الردع عبر الاستنزاف، وعلى افتراض أن المجتمع الفلسطيني قادر على تحمّل جولات متقطعة من العنف دون أن ينكسر كليًا، ودون أن يمتلك في الوقت نفسه القدرة على قلب المعادلة.

لكن هذا التصور لم يصمد. فالتجربة أظهرت أن المقاومة لا تُختزل في البنية العسكرية وحدها، بل تتجدد من المجتمع نفسه: من الوعي، ومن الذاكرة، ومن الفضاءات العامة التي تُنتج السؤال والمعنى. هنا بدأ التحول الأخطر في السياسة الاحتلالية: من جز العشب إلى تجفيف التربة، ومن مواجهة الفعل إلى محاصرة الإمكانية.

سياسة منع الإنبات تنطلق من قناعة بأن أخطر ما في الفلسطيني ليس ما يفعله الآن، بل ما يمكن أن يصبح عليه لاحقًا. لذلك لم يعد القمع مرتبطًا بالفعل الكبير، بل بات يشمل كل ما هو بسيط، رمزي، وغير مكتمل. الطالب، الهتاف، النشاط المحدود، الكلمة العابرة، والمساحة العامة—كلها تُعامَل باعتبارها تهديدات مؤجلة يجب خنقها في مهدها قبل أن تتحول إلى ظاهرة يصعب السيطرة عليها.

في الضفة الغربية، تتجلى هذه السياسة بوضوح فادح. لا توجد حرب شاملة بالمعنى العسكري كما في غزة، لكن توجد حرب طويلة على النفس، حرب صامتة على المجتمع. اقتحامات متكررة، اعتقالات مستمرة، استهداف ممنهج للجامعات والمخيمات والبلدات، وتحويل الحياة اليومية إلى سلسلة من الإرباكات المتراكمة. الهدف هنا ليس الانفجار، بل الإنهاك؛ ليس المواجهة المباشرة، بل إبقاء المجتمع منشغلًا بالنجاة، عاجزًا عن تحويل الغضب إلى فعل منظم.

ضمن هذا السياق ياتي اقتحام جامعة بيرزيت فالجامعة ليست موقع إطلاق نار، ولا قاعدة عسكرية، ومع ذلك تُعامل كخطر أمني. السبب لا يكمن في ما يحدث داخلها الآن، بل في ما يمكن أن يحدث لاحقًا. الاحتلال يدرك أن الجامعة لا تُنتج مقاومًا جاهزًا، لكنها تُنتج إنسانًا ذا فكر مقاوم، والإنسان المثقف وطنيا أخطر من السلاح. فالطالب الذي يهتف اليوم قد ينظم غدًا، والنشاط الصغير قد يتحول إلى شبكة علاقات، والرمزية قد تتراكم لتصنع فعلًا جماعيًا.

إسرائيل لا تضرب بيرزيت لأنها تشكّل تهديدًا فوريًا، بل لأنها قد تُنبت شيئًا خارج السيطرة. وهذا هو جوهر سياسة منع الإنبات: محاصرة البذرة قبل أن تُدفن في التراب، لا انتظار النبتة لتكبر ثم قطعها. هنا يتحول الردع من كونه ردّ فعل على الفعل المقاوم، إلى أداة لضبط الخيال الفلسطيني نفسه، وتجريم الاحتمال قبل تحوّله إلى واقع.

الهدف الأعمق لهذه السياسة ليس فقط تفكيك بنية مقاومة، بل إعادة تشكيل المجتمع الفلسطيني ليكون مجتمع بقاء لا مجتمع فعل؛ مجتمعًا يعيش تحت سقف منخفض من التوقعات والطموحات، حيث تُختزل الحياة في النجاة اليومية، ويُفصل الإنسان عن قدرته على التنظيم والتخيّل والتراكم.

لكن هذه السياسة، بكل قسوتها، تحمل اعترافًا خفيًا بالعجز. فمن يحارب البذور إنما يعترف بخوفه من الشجرة، ومن يخشى الجامعة والهتاف والكلمة يعترف بأن القوة العسكرية وحدها لم تعد كافية لحسم الصراع. والتاريخ الفلسطيني، بكل مراحله، يقول إن الخنق قد يؤجل الولادة، لكنه لا يمنعها. فالبذور لا تموت بسهولة؛ قد تتأخر، قد تختبئ، لكنها عندما تجد شقًا صغيرًا في هذه الأرض، تعود وتخرج. وكما تقول الحكاية: حبوب سنبلة تموت، تملأ الوادي سنابل.

محمد الخطيب ناشط ومدافع عن حقوق الإنسان، وباحث دكتوراه في القانون الجنائي الدولي في جامعة القدس. يهتم في نشاطاته وأبحاثه بقضايا العدالة الدولية، والمساءلة الجنائية، وحماية حقوق الإنسان