من الهلاك المقدّس إلى الإبادة المبرَّرة: تفكيك مفهوم «هَشْمَدَا» بين النص والواقع

هل يمكن لكلمة دينية، وُلدت في نص مقدّس، أن تتحول إلى أداة تبرير للقتل الجماعي؟ ليست الكلمات محايدة دائمًا، وبعض المفردات، خصوصًا المتجذرة في النصوص الدينية، تحمل طاقة عنف كامنة لا تظهر إلا حين تُسقَط على الواقع السياسي والاجتماعي. من بين هذه الكلمات تبرز مفردة هَشْمَدَا التي تُترجم عادة بـ«الهلاك» أو «الإبادة التامة»، بوصفها نموذجًا على كيفية انتقال العنف من النص إلى الأرض.

الهلاك في العهد القديم: كثافة الحضور ودلالة المعنى

تكتسب كلمة هَشْمَدَا خطورتها ليس فقط من معناها، بل من كثافة حضورها النصي. فقد وردت مشتقات الجذر العبري شمد في أسفار العهد القديم ما يقارب تسعين مرة، غالبًا في سياقات حربية وعقابية. هذا التكرار يعكس ترسيخًا لفكرة الهلاك الشامل بوصفه حلًا نهائيًا في مواجهة جماعات صُوِّرت على أنها تهديد وجودي.

الهلاك هنا لا يعني القتل المحدود، بل محو الجماعة: إنهاء وجودها المادي، وإزالة أثرها الرمزي، وقطع أي إمكانية لاستمرارها في التاريخ. وبهذا المعنى، تتجاوز هَشْمَدَا الفعل الجسدي لتصبح منطقًا إقصائيًا كاملًا.

ثقافة يوشع بن نون: الإبادة كواجب أخلاقي

يتجسّد هذا المنطق بوضوح في سفر يشوع، حيث تُقدّم الحروب لا بوصفها صراعات سياسية، بل تنفيذًا لإرادة إلهية. الهدف هنا ليس الانتصار العسكري فقط، بل تحقيق الهلاك الكامل للآخر، دون تمييز بين مقاتل ومدني، أو بين حاضر ومستقبل.

ثقافة يوشع بن نون أسّست لثلاثة عناصر:

نفي إنسانية الخصم،اعتبار وجوده خطيئة بحد ذاته،تقديم الإبادة باعتبارها فعلًا أخلاقيًا لا جريمة.

هذا النموذج ظل حيًا في الوعي الديني والسياسي، ويظهر كلما جرى تأطير الصراع بوصفه صراع بقاء مطلق.

استدعاء العماليق: غزة في الخطاب السياسي المعاصر

برز هذا الاستدعاء بشكل واضح في خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حين شبّه غزة بسردية العماليق. في المخيال التوراتي، يمثل العماليق العدو الذي لا يجوز له البقاء. هذا التشبيه يُعيد تفعيل منطق هَشْمَدَا بكل ما يحمله من عنف:

تحويل شعب كامل إلى كيان ملعون وجوديًا،إسقاط صفة الإنسانية عنه،تهيئة الرأي العام لتقبّل الإبادة بوصفها ضرورة تاريخية وأخلاقية.

حين يُشبَّه مجتمع معاصر بالعماليق، لا يصبح الحديث عن نزاع سياسي فقط، بل عن مشروع محو.

خطاب غلانت: الهلاك كسياسة عملية

يتكامل هذا الإطار الخطابي مع تصريحات وزير الجيشالإسرائيلي يوآف غلانت في الأيام الأولى للحرب، حين وصف الفلسطينيين بأنهم «حيوانات بشرية»، وأعلن قطع الماء والكهرباء والغذاء والوقود عن القطاع.

هذا التحوّل من الهلاك بوصفه فكرة إلى ممارسة عملية يوضح أن هَشْمَدَا لم تعد كلمة كتابية، بل برنامج تطبيقي: نزع الإنسانية لغويًا، ثم ترجمتها إلى إجراءات تعسفية تمسّ الحياة الأساسية.

غزة: الهلاك في صورته الحديثة

ما يجري في غزة هو إعادة إنتاج معاصرة لمنطق قديم. العنف لا يبدأ بالقصف، بل باللغة؛ ولا تُرتكب الجريمة فجأة، بل تُمهَّد بخطاب يُخرج الضحية من دائرة الإنسانية. استخدام مفردات الهلاك، صراحة أو ضمنًا، يجعل قتل المدنيين وتجويع السكان أفعالًا «مفهومة» ضمن منظومة فكرية ترى في الإبادة حلًا، لا مأزقًا.

ما المطلوب فلسطينيًا أمام خطاب ينكر الحق في البقاء؟

لا يواجه الفلسطيني اليوم عنفًا عسكريًا فقط، بل يواجه سردية تعمل على قلب المعنى: تحويل الجلاد إلى ضحية، والضحية إلى تهديد وجودي. السؤال الجوهرى: كيف تتعامل السردية الفلسطينية مع هذا الخطاب، وما الذي يلزم لمواجهته بفعالية؟

لقد نجح الخطاب الإسرائيلي في احتكار موقع الضحية، مستندًا إلى تاريخ الاضطهاد اليهودي، ومحوّلًا هذا التاريخ إلى رخصة مفتوحة. في المقابل، دفع الفلسطيني إلى موقع المتهم الدائم، الذي يُطالَب بتبرير وجوده، لا الدفاع عن حقوقه. هذا القلب في الأدوار لم يكن نتيجة القوة العسكرية وحدها، بل نتيجة معركة لغوية–فكرية يجب على الفلسطيني ان ينتصر بها.

الأمر الأكثر خطورة هو أن الخطاب المهيمن لم يعد صهيونيًا بالمعنى السياسي الكلاسيكي، بل مشبعًا بثقافة دينية–قومية أكثر تطرفًا، تستعيد النصوص التوراتية وسرديات الهلاك لتبرير سياسات الإقصاء. في هذا السياق، لا يُنظر إلى الفلسطيني كصاحب حق أو خصم، بل كعائق يجب إزالته.

هنا تكمن أهمية أن تتحرر السردية الفلسطينية من الحذر المفرط في اللغة، وأن لا تخجل من استخدام المصطلحات العبرية حين تكون أكثر دقة في توصيف الواقع. مفاهيم مثل هَشْمَدَا وحِيرِم وعَماليق ليست مجرد مصطلحات لغوية، بل مفاتيح لفهم البنية الفكرية التي تُنتج العنف، واستخدامها ليس تبنّيًا، بل كشف للوظيفة الإقصائية لهذه اللغة.

المطلوب فلسطينيًا ليس فقط سرد المعاناة، بل إنتاج خطاب يعيد تثبيت الفلسطيني بوصفه صاحب حق في البقاء، يوضح الجلاد ويعيد الحق الطبيعي للحياة إلى مكانه، بعيدًا عن التبرير السياسي أو الديني.

كلمة واحدة تكشف سياسات الاحتلال

المقال يوضح أن المشكلة ليست النصوص المقدسة نفسها، بل في اللحظة التي تُستخدم فيها الكلمات لتبرير العنف والسيطرة. كلمة واحدة، مثل هَشْمَدَا، لا تعبّر فقط عن «الهلاك» بمعناه اللغوي، بل تفتح بابًا لفهم السياسات والخطط العملية للاحتلال اليهودي القومي الديني في تعامله مع الفلسطينيين.

ما يحدث في غزة من قتل جماعي، حصار، تجويع، وتدمير ممنهج لمقومات الحياة، ورغم تعدد أشكاله وتفاصيله، يمكن فهمه ضمن منطق واحد يحكمه: منطق الإزالة الكاملة. بهذا المعنى، يمكن القول إن كل هذه الجرائم، مهما اختلفت أدواتها وأعداد ضحاياها، تختزل في كلمة واحدة هي: هَشْمَدَا.

هذه الكلمة تكشف أن اللغة ليست مجرد وصف، بل أداة عمل: تحدد من هو الضحية، ومن هو الجلاد، وتوضح من يملك الحق في البقاء ومن يُحرم منه. حين تُفهم الكلمة بهذا العمق، يُكشف المخطط، تُفهم السياسات، وتُستعاد الإنسانية، ويصبح حق الحياة مركز أي خطاب وممارسة، بعيدًا عن أي تبرير أو تحريف.

فالكلمة الواحدة هنا ليست تفصيلًا، بل خارطة لفهم العالم من حولنا، وخريطة لفهم سياسات الاحتلال وخططه تجاه شعب كامل

محمد الخطيب ناشط ومدافع عن حقوق الإنسان، وباحث دكتوراه في القانون الجنائي الدولي في جامعة القدس. يهتم في نشاطاته وأبحاثه بقضايا العدالة الدولية، والمساءلة الجنائية، وحماية حقوق الإنسان