نصف وزنك مقابل الحرية

غزة  سامي أبو سالم – ما يزال هشام أبو هواش (40 عاما) يرقد في المستشفى تحت المراقبة والعلاج، بعد أن خاض إضرابا فرديا عن الطعام في سجون الاحتلال استمر لمدة 141 يوما، فقدَ خلالها أكثر من نصف وزنه.

أوقف أبو هواش إضرابه في الرابع من كانون الثاني/ يناير الجاري بعد “اتفاق” يقضي بالإفراج عنه في 26 من شهر شباط المقبل كما قال أخوه عماد لمراسل “وفا”.

وشرع أبو هواش بإضرابه في 27 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، احتجاجا على اعتقاله غير القانوني ولفترة زمنية مفتوحة، ربما تمتد لسنين، دون تهمة أومحاكمة، تحت ما يسمى “الاعتقال الإداري”.

حاولت “وفا” الحديث مع هشام بيد أن وضعه الصحي لم يسمح بذلك كونه ما يزال منهكا ولا يستطيع الحديث أو التركيز بشكل طبيعي كما قال أخوه “عماد” في اتصال هاتفي من مستشفى “أساف هروفيه” .

وأضاف عماد أن وزن هشام عند بدء الإضراب كان 87 كيلوغراما لكن بعد قضاء 141 من الإضراب تحول لجسد طفل لم يزد عن 37 كيلوغراما.

“بالكاد يبلغ محيط فخذه 10 سم بعد أن كان متينا قويا ويعمل بنّاءً،”، قال عماد، مضيفا أنه يعاني من تسلل بكتيريا في الدم ولا يستطيع أن يقف على قدميه”.

وكشف عماد أن هشام، والد لخمسة أطفال، تعرض للضغط البدني والنفسي خلال الإضراب. “في أول 60 يوما نقله السجانون 82 مرة، تعرض خلالها لكدمات وكشوط وضغط نفسي رهيب”.

ولم يختلف الحال كثيرا مع كايد فسفوس (32 عاما)، من بلدة دورا في مدينة الخليل، الذي كان أحد أبطال كمال الأجسام المحليين ليتحول إلى ما أشبه بشبح بعد أن أضرب عن الطعام لمدة 131 يوما دون انقطاع، احتجاجا على اعتقاله الإداري.

“كنت أنافس في بطولات كمال أجسام، بدأت الإضراب ووزني 97 كيلوغراما ثم هبط إلى 54 كيلوغراما،” قال الفسفوس، الذي يعمل محاسبا.

واعتُقل فسفوس، في يوليو/تموز 2020، لكنه بدأ اضرابه الطويل في 22 من نفس الشهر ما أجبر الاحتلال على الرضوخ والإفراج عنه مقابل تعليق الإضراب.

وشارك فسفوس أخويه المعتقلين آنذاك، محمود الذي أضرب 42 يوما وخالد 30 يوما.

أما محمود السرسك (34 عاما)، من مدينة رفح، جنوب غزة، ففقد ما يزيد عن نصف وزنه خلال إضرابه الذي بدأ في الخامس من آذار 2012 واستمر لمدة 96 يوما.

“كنت أزن 81 كيلوغراما وانتهى إضرابي وأنا أزن 38 كيلوغراما، خسرت 53% من وزني الطبيعي.” قال السرسك لمراسل “وفا”.

وكان السرسك أحد أفراد المنتخب الفلسطيني لكرة القدم ومتوجها من غزة إلى الضفة الغربية في طريق الاحتراف، لكن جنود الاحتلال الإسرائيلي اعتقلوه ونقلوه للسجن في يوليو 2009، كما قال.

وأضاف أن السجانين توعدوه بإنهاء مستقبله الرياضي، وهذا فعلا ما حصل بعد ما نقلوا له دماً يعتقد هو أنه ملوث.

“في سجن الرملة كنت في غيبوبة وزوروا أوراقا وتوقيعا تتيح لهم نقل دم لي، بعدها تعبت وعندما خرجت أجريت فحوصات طبية فورية تبين أنني مصاب بالتهاب الكبد الوبائي”.

وكشف السرسك، الحاصل على إجازة أنظمة المعلومات، أنه تعرض للتعذيب البدني والنفسي كغيره من الأسرى المضربين، ففور إعلان إضرابه عزله السجانون عن بقية الأسرى وأخفوا أخباره، وبدأوا في إشاعة أخبار كاذبة مفادها أنه أنهى الإضراب.

وتعتمد سلطات الاحتلال على إجراءات غير قانونية لاعتقال الفلسطينيين، فصكوا ما يوصف أنه “اعتقال إداري” الذي يتيح للاحتلال اعتقال أي فلسطيني في أي وقت دون مذكرات اعتقال لفترة زمنية مفتوحة دون محاكمة ولا تهمة.

وقال بلال دياب (37 عاما)، من كفر راعي قرب جنين، إنه فقد 30 كيلوغراما من وزنه خلال إضرابه احتجاجا على اعتقاله غير القانوني دون تهمة وعلى الظروف القاسية في “الاحتجاز”.

واستمر دياب في إضرابه لمدة 79 يوما، تضامن معه أخوه عزام المحكوم بالمؤبد وأضرب لمدة 50 يوما، وانتزع قرارا بضمان عدم تجديد الاعتقال غير القانوني.

وأجمع الأسرى الإداريون الذين أضربوا عن الطعام وتحدث معهم مراسل “وفا” على أن سجان الاحتلال يمارس طقوسا “سادية” أمام المُضرب مثل تنظيم طقوس شواء اللحم وتناوله أمامه والاستهزاء بإضرابه والتقاط صور “سيلفي” وضربه ونقله الدائم بين السجون، وغيرها من أساليب القمع.

وقال الباحث في شؤون الأسرى، عضو المجلس الوطني عبد الناصر فروانة، إن عملية التنكيل غير مرتبطة بالسجانين وضباط السجن فقط، بل هي منظومة أمنية سياسية إسرائيلية شاملة يشارك فيها المستوى الرسمي من وزراء وبرلمانيين.

وكان وزير أمن الاحتلال الإسرائيلي توعد باتخاذ إجراءات قاسية ضد الأسرى عندما أعلنوا اضرابا عن الطعام في نيسان 2017 استمر 41 يوما. وقال إنه “لن يسمح بنقلهم للمستشفيات للعلاج”.

وأشار فروانة، وهو أسير سابق وخاض تجربة الإضراب، إلى أن الإضراب عبارة عن أداة مقاومة لذلك تبدأ إجراءات عنصرية وقمع المضربين سواء بشكل فردي أو جماعي منذ اليوم الأول للإضراب.

ويقبع في سجون الاحتلال نحو 4550 أسيرا، من بينهم 32 أسيرة، و170 قاصرا، حتى نوفمبر 2021، وفقا لمركز المعلومات الوطني الفلسطيني، وقال فروانة إن زهاء 500 منهم رهن “الاعتقال الإداري”.

وأشار إلى أن المعركة تصبح معركة مبدأ، فالأسير لن يتنازل لأن ذلك سيعتبر انتصارا للسجان ويؤثر سلبا على الأسرى، والسجان يحاول كسر الأسير ليكون عبرة لباقي الأسرى مستخدما كافة أدوات القمع الوحشية.

وفي تعليق على سلوك السجانين والنزعة “السادية” في تعاملهم مع الأسرى المضربين قال استشاري الصحة النفسية محمد أبو شاويش (40 عاما)، إن “السجانين هم جزء من منظومة يتم توجيههم من القادة في معركة المسيطر فيها هو الأسير وهم يحاولون السيطرة على هذا النفوذ رفضا لضعفهم.” وقال دياب إن الاضراب عن الطعام هو “أعظم معركة في التاريخ” لأن الأسير يقاوم بأمعائه وبمصدر الحياة الطبيعي وهو الطعام.

واشار إلى أن سلوكيات سجانين الاحتلال كانت تنم عن نفسيات مريضة لم تخل من استعلاء ولا مبالاة بانسانية الأسير.

“وأنا ممدد غير قادر على الحراك كان جنود الاحتلال يلتقطون صورا ذاتية “سِيلفي” ويتضاحكون.” وحول صمود الأسرى في الاضراب لعشرات الأيام، قال أبو شاويش إن الأسرى يخوضون معركتين في آن واحد، الأولى عدم الاستجابة لغرائز طبيعية من أجل الحياة متمثلة بالطعام وهذه أقوى من الثانية المتمثلة بتحدي الاحتلال من أجل حقوق عادلة.

“الصراع الغريزي أقوى، والأسير يتغلب على الغريزة لأن قراره مغلف ببعد مبدئي ووطني مطعّم بالتحدي، لو أن هذا البعد غائب فربما لا يستطيع.” ولفت فروانة أن ما يعطي الإضراب قوة هو التضامن المحلي والدولي سيما وأن الاعتقال الإداري بالأساس غير قانوني؛ فهو اعتقال دون توجيه تُهم ولا محاكمات ولفترات زمنية مفتوحة.

ومن أدوات الضغط أيضا “المساومة” والوعود الكاذبة؛ فخلال إضراب السرسك عرض السجانون عليه الإفراج بشرط الإبعاد خارج فلسطين لكن كان رده: “لن أغادر السجن إلا لبيتي”.

فيما أكد دياب أن لا مجال للتراجع ولا الوثوق بوعودهم، “يعِدون الأسير بعدم التجديد ويكذبون”.

“التراجع ليس في قاموسنا لأنه يعني هزيمة لكل المعتقلين وانتصارا للسجان الاسرائيلي،” قال دياب، مؤكدا أن عذابات السجن وقذارة السجّان أقسى من عذاب الجوع.

اترك رد