اخر الاخبار
قهوة برائحة الغاز

 

القدس عاصمة فلسطين/ شمال غزة 5-4-2018  وفا- سامي أبو سالم

رائحة القهوة العربية المتسللة من بين خيام "مخيم العودة"، شمال غزة، والتي يطبخها المعتصمون في المخيم، تمتزج برائحة الغاز المسيل للدموع الذي يطلقه جنود الاحتلال المتموضعون على السياج الفاصل بين غزة وإسرائيل.

فريد أبو العسل (18 عاما) وصل خيمة يفرك عينيه الحمراوتين يبحث عن ماء لغسل وجهه.

"هذا ليس غاز مسيل للدموع، إنه مسيل لمخاط الأنف ولكل شيء، إنه قاتل"، قال أبو العسل وهو "يغسل وجهه المحمر وينظف أنفه".

وقال إنه لن يرجع "اليوم" قرب السياج الفاصل لأنه لم يعد يستطيع التنفس.

تناول أبو العسل فنجانا كرتونيا وارتشف قليلا من القهوة وقال "قهوة بطعم الغاز" وابتسم.

عائلات ومجموعات لا يزالوا يتوافدون على المخيم، الذي نُصب الجمعة الماضية، للسهر والسمر أو المبيت أو مجرد زيارة عابرة.

يرقد بعضهم داخل خيمة، تجنبا للغبار أو للبرد الذي يحل بعد عصر كل يوم، آخرون يجوبون المخيم والمنطقة الحدودية قبل أن يغادروا.

وتتوزع على حدود غزة الشرقية خمسة "مخيمات عودة" في المحافظات الخمس، تشهد كل منها فعاليات وطنية لإحياء يوم الأرض والمطالبة بالعودة.

صوت الأغاني الشعبية وأصوات الباعة الجوالة لا يوقفه إلا إطلاق زخات من القنابل المسيلة للدموع أو رصاص متقطع من بنادق جنود الاحتلال.

من بين الخيام علا صوت "مَرْبُوعة" [حلقة الدِّحّية- من التراث البدوي]، مجموعة من الشبان اصطفوا يهزون اكتافهم ويصفقون على نغمة "الدحية"، احتفالا بيوم مولد صديقهم محمد العُطل.

ضربوا الأرض بأقدامهم على أنغام "الدلعونا" وظريف الطول" التي تصدح من سيارة فُتحت أبوابها الأربعة، للاستعاضة عن مكبرات الصوت التي أُركنت جانبا بسبب انقطاع التيار الكهربائي.

وقال العُطل، الذي درس السكرتاريا الطبية، إنه جاء للاحتفال في المخيم للمساهمة في إبراز الطابع السلمي لمسيرة العودة والتأكيد على حق العودة.

"سنواصل حياتنا كما هي رغم إجرام الاحتلال، لم يبق لنا سوى الأمل، لأن الفرص انعدمت أمامنا في غزة،" قال العطل (22 عاما) العاطل عن العمل، وهو يقطع كعكة ميلاده التي كُتب عليها "راجعون".

وكشف الجهاز المركزي للإحصاء، أن نسبة "المتعطلين عن العمل" في قطاع غزة بلغت 48,2% من مجموع سكان القطاع الذي بلغ حوالي 1,900000 نسمة وفقا لإحصاءات 2017.

وخلال الحديث مع العُطل تدخل صديقه صبحي نور، ليقرأ من هاتفه النقال خبرا عاجلا: "استشهاد أحمد عرفة برصاص قناصة الاحتلال في مخيم البريج وسط القطاع".

وقتل جنود الاحتلال 17 فلسطينيا على الأقل فيما أصيب زهاء 1500 في اعتداءات بالقنص وإطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع، منذ الثلاثين من آذار.

وقال نور، الذي درس العلاقات العامة، إنه أحد ضحايا الاحتلال، فهو يعاني من ورم في الرأس ويمنعه الاحتلال من تلقي العلاج في مستشفى المقاصد في القدس المحتلة.

جيب أبيض اللون زينته مئات الورود الحمراء، كان ضمن موكب سيارات زفاف محمد أبو دغيم (25 عاما) من مخيم جباليا شمال غزة.

 أنزله أصدقاؤه من الجيب وجابوا به "مخيم العودة"، رافقهم عدد من الأهالي المعتصمين، الذين شاركوا الحشد بـ"زفة" العريس، إحدى مظاهر العرس الفلسطيني الكلاسيكي.

"أتيت لأقول للاحتلال أن حياتنا مستمرة، بقمعكم، وبقتلكم، سنستمر في الحياة، والعودة حتمية بكل الأساليب لأن هذا حق لنا،" قال أبو دغيم لمراسل "وفا".

وأضاف "العريس الذي تعود أصوله من بلدة بْرِير التي احتلت عام 1948، أنه لم ير قريته من قبل إلا في الصور. "أقرأ عنها في الشبكة العنكبوتية... كلي أمل أنني سأزورها بل وأعيش فيها يوما ما"، قال وهو يكتب اسم قريته على إحدى الخيام بقطعة من الفحم.

حياة شبه متكاملة في مخيم العودة، بائعو المرطبات، والمشروبات الساخنة، والوجبات الخفيفة، يغطون بضائعهم بالبلاستيك ليحموها من الغبار.

لكن بائع المكسرات، جميل شلحة (17 عاما)، لم يُغط بضاعته، قال إنه لا حاجة لأن البضاعة متجددة بشكل دائم، لأن "الشغل كويس والبزر والفستق مغطى طبيعيا."

وأشار شلحة وهو ينظر إلى السلك الفاصل أن أباه معتقل خلف ذلك السلك.

"أبي تسلل للعمل هناك لأنه لا عمل في غزة، ألقت الشرطة [الإسرائيلية] القبض عليه، وحُكم ثلاث سنوات،" قال شلحة، المعيل الوحيد للأسرة المكونة من 6 أطفال.

ولم ينكر شلحة تخوفه من الإصابة برصاص جنود الاحتلال، مشددا على أن العمل هنا أفضل من التسول.

لم يُخف المزارع الأربعيني، أيمن أبو سلعة، امتعاضه من تعرض أرضه الزراعية للتدمير جراء جموع المتظاهرون الذين داسوها بأقدامهم وعجلات دراجاتهم البخارية.

"سحق المتظاهرون 20 دونما من الشمام و7 دونمات حمص،" قال أبو سلعة بلكنة لم تخلُ من غيظ.

بلغت تكاليف الشتل 18000 شيقل (حوالي 5000 دولار أميركي) "ناهيك عن تدمير شبكة الري، كلها اُتلفت."

الطالبة الجامعية رموز صالح، (20 عاما)، تصل للمنطقة الفاصلة، للتو. تلتقط مع قريباتها صور "سيلفي" ومن خلفهن السياج الفاصل وجنود الاحتلال.

"ليعلم العالم أن همّنا وحلمنا الأكبر هو العودة لأرضنا، وليس مساعدات مالية." قالت رموز صالح لمراسل "وفا".

وتضيف صالح أن مشاركتها في الفعاليات أيضا لتثبت وجود المرأة الفلسطينية وأنها متواجدة في كل الحقول.

خيمة تحمل اسم الجرحى والأسرى، يجلس أمامها محمد جاد الله (24 عاما) وقضبان معدنية "البلاتين" تبرز من ساقه اليسرى المصابة.

"أصبت في ساقي قرب الحدود شرق جباليا يوم أن أعلن [الرئيس الأميركي] دونالد ترمب أن القدس عاصمة للاحتلال"، قال جاد الله وهو يصنع شايا في إبريق على موقد طيني.

وأعلن ترمب، في السادس من كانون أول من العام الماضي، اعتراف الولايات المتحدة بمدينة القدس عاصمة لإسرائيل، الأمر الذي أثار غضب الفلسطينيين على المستويين الرسمي والشعبي، كما أثار ردود فعل عربية وعالمية رافضة، وأدى لاندلاع صدامات مع قوات الاحتلال في فلسطين.

وأضاف جاد الله، الذي يعمل بائع دجاج، أن إصابته لن تثنيه عن المشاركة في "مسيرة العودة"، وأنه لا يخشى من تصعيد الاحتلال على الحدود.

"أنا بعيد 700 متر والمسيرة سلمية، وليس لدي شيئا أخسره،" قال جاد الله، مشيرا إلى أنه سيخضع لعملية جراحية في ساقه بعد يومين.

ويحيي الفلسطينيون كل عام فعاليات وطنية في ذكرى يوم الأرض في الثلاثين من آذار، يوم الأرض الذي استشهد فيه ستة مواطنين فلسطينيين، وأصيب العشرات برصاص قوات الاحتلال في احتجاجات نظمها المواطنون أواخر آذار عام 1976 في الجليل الفلسطيني.

ومن المتوقع أن تستمر الاعتصامات والمسيرات إلى منتصف أيار/مايو المقبل الذي يحيي فيه الفلسطينيون في الوطن والشتات ذكرى "النكبة" الفلسطينية، التي هُجر فيها مئات آلاف الفلسطينيين ومسحت زهاء 500 قرية عن الخارطة الجغرافية على أيدي الاحتلال الإسرائيلي.