اخر الاخبار
"علمك هويتك"... من طولكرم إلى العالم

 

 

علم فلسطين على سارية غرب طولكرم ويطل على أراضي 48 (عدسة: وفا عواد/ وفا)

 

 

هدى حبايب

في التاسع عشر من الشهر الجاري أطلق الناشط الشبابي كمال أبو سفاقة من مدينة طولكرم، بمبادرة شخصية على صفحته في "فيس بوك"، هاشتاغ "علم فلسطين فوق كل بيت"، دعا من خلالها أهالي المدينة وقراها وبلداتها ومخيماتها وضواحيها، إلى رفع العلم على كل بيت ومبنى في المحافظة تنفيذا لشعار الحملة "علمك هويتك".

ورغم أن الدعوة في البداية كانت لطولكرم، كونها أقرب المدن الفلسطينية إلى الساحل الفلسطيني بمسافة 15 كيلو متر، إلا أنها لاقت تجاوبا كبيرا في مختلف المحافظات الفلسطينية، ليصل صداها إلى الدول الأوروبية، وتتحول من حملة فلسطينية إلى حملة دولية.

وقال أبو سفاقة الذي يشغل مدير دائرة دعم الصمود في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان لـ "وفا": "إن هذه المبادرة جاءت بمبادرة ذاتية، بعد رؤيتي للتراجع في رفع العلم الفلسطيني خاصة في الفعاليات والتظاهرات ضد الاحتلال، وتسابق الشباب في رفع أعلام الفصائل، وهذا ما جعلني أعلن عن هذه الحملة".

وعلم فلسطين وهو العلم الوطني، راية استخدمها الفلسطينيون منذ النصف الأول من القرن العشرين للتعبير عن طموحهم، مر حتى تكوينه النهائي بسلسلة من الأحداث التاريخية، وجاءت فكرته من علم الثورة العربية الكبرى بعد التحرك العربي المعروف باسم الثورة العربية الكبرى عام 1916.

في عهد الانتداب البريطاني كان العلم الفلسطيني عبارة عن مستطيل باللون الأحمر مرسوم عليه دائرة بيضاء في داخلها اسم الولاية باللغة الانجليزية "فلسطين" وفي ركنه الأيسر من الأعلى علم بريطانيا مصغرا،لكن الفلسطينيين لم يعترفوا به لا شعبيا ولا رسميا، إنما كان يرفع فوق المؤسسات الحكومية التابعة لحكومة الانتداب فقط.

ويعتقد أن دلالات العلم الفلسطيني المأخوذ من علم الثورة الكبرى، فاللون الأسود يدل على الدولة العباسية، أما الأخضر فهو دلالة على الدولة الفاطمية، والأبيض يشير إلى الدولة الأموية، أما المثلث الأحمر فيدل على التحرر.

ونصت المادة (27) من الميثاق القومي الفلسطيني على أن يكون لمنظمة التحرير الفلسطينية علم وقسم ونشيد، وأقرت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير في اجتماعها في 1-12-1964 وضع نظام خاص بالعلم، يحدد شكله ومقاييسه بحيث يقسم أفقياً إلى ثلاثة أقسام متساوية متوازية: الأعلى أسود، والأوسط أبيض والسفلي أخضر، مع مثلث أحمر من ناحية السارية قاعدته مساوية لعرض العلم وارتفاعه مساوٍ لنصف قاعدة المثلث.

تبنى الفلسطينيون علمهم عام 1948 في المؤتمر الفلسطيني في غزة، واعترفت جامعة الدول العربية به كعلم للشعب الفلسطيني أينما وجد، وهذا ما أكدته منظمة التحرير في المؤتمر الفلسطيني في القدس عام 1964. وفي عام 1988 أكدت منظمة التحرير الفلسطينية أن العلم سيكون علم الدولة الفلسطينية.

"ما معنى العلم" .. يقول أبو سفاقة: "هو رمز للسيادة، أينما تحط علم وطنك، تبدأ سيادتك، السيادة الموجودة في كل العالم تبدأ من حدود الوطن، وأول عمل لأي دولة هو رفع علمها عند حدودها".

فكرة وجود علم للفلسطينيين لم يرق للاحتلال الذي حاربه بقوة، وأقر قانونا عام 1967 يحظر علم فلسطين، ويمنع إنتاج أعمال فنية تتكون من ألوانه الأربعة، وخلال الانتفاضة الأولى المعروفة بانتفاضة الحجارة "لأن الحجارة كانت أداة الهجوم والدفاع التي استخدمها الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي"، دفع مئات الشهداء والأسرى حياتهم وحريتهم ثمنا من أجل أن يرفعوا علم فلسطين عاليا على أعمدة الكهرباء، وفوق أسطح المنازل والعمارات، ولفت فيه أجساد الشهداء، ولم يسلم الحجر والشجر من إجراءات الهدم والقطع بسبب رفع علم فلسطين عليها.

وظل الحال على ما هو عليه حتى عام 1993 وبالتحديد بعد توقيع اتفاق أوسلو، فقد غيرت إسرائيل من سياستها تجاه الفلسطينيين بشكل عام، وخفت حدة الحظر الإسرائيلي للعلم الفلسطيني.

وفي عام 2018، قدمت عضو الكنيست الإسرائيلي عن حزب الليكود المتطرف عنات باركو مشروع قانون يفرض عقوبات على من يرفع علم فلسطين في أراضي عام 1948  تصل في أقصاها إلى السجن لمدة عام، وجاء ذلك بعد رفع المتظاهرين للعلم الفلسطيني خلال تظاهرة نظمتها لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية (أعلى هيئة تمثيلية للعرب بإسرائيل) في تل أبيب احتجاجا على قانون القومية.

ورغم ما مر به العلم الفلسطيني من أحداث، يستحق الوقوف على مدى أهميته وقيمته الوطنية في قلب كل فلسطيني سواء داخل الوطن او خارجه، بحيث أصبح يرفع في كافة الفعاليات والتظاهرات وفي المحافل الدولية والمؤسسات العالمية والأحداث الرياضية والسياسية وغيرها، وتجلى ذلك برفعه في مقر الأمم المتحدة في نيويورك عام 2015، إلى جانب أعلام باقي الدول الأعضاء وهو ما اعتبر انتصارا دبلوماسيا يقرب الشعب الفلسطيني أكثر من حلمه الأكبر المتمثل بإقامة دولته الفلسطينية وعاصمتها القدس.

وقال أبو سفاقة، رغم المدة القصيرة لبدء الحملة إلا أنها شهدت تفاعلا كبيرا من قبل الكبار والصغار من الفلسطينيين والجنسيات العربية والأجنبية، من خلال مشاركة صورهم وهم يحملون الأعلام الفلسطينية، مدركين قيمة علم وطنهم، وهو بالتالي تنشيط للذاكرة التي ستبقى حية في أذهانهم خاصة الأطفال الذين  سيحدثون بها عندما يكبرون.

وأضاف، وصلتني مشاركات من دول أوروبية وتحديدا من ايطاليا واسبانيا وتركيا وفرنسا والسويد وكندا وجنيف في سويسرا من مجموعة من الأشخاص في أوروبا سواء فلسطينيين مقيمين بالخارج أو نشطاء متضامنين مع القضية الفلسطينية تضامنوا بطرق مختلفة، رفعوا الأعلام والتحية لفلسطين وشعبها، والجميل بالموضوع أنه وصل فيديو لنشطاء بريطانيين يرفعون العلم الفلسطيني ويرددون باللغة الانجليزية" الحرية لفلسطين".

وأوضح أن هناك مجموعة من النشطاء الأوروبيين نشروا هذه المبادرة على موقع "تويتر"، وأحدثوا تفاعلا كبيرا، منهم أحد النشطاء الفرنسيين وهو خبير قانوني عمل على شرح هذه الحملة ومستمر معها.

وحول أهمية هذه المبادرة قال أبو سفاقة، لها أهمية كبيرة على الصعيد المحلي كونها تؤكد على قيمة العلم لدى شعبنا، أما عالميا فإن لها دورا في تدويل القضية الفلسطينية أو إعادة إحياء القضية في أذهان الأوروبيين، وتجنيد أكبر عدد ممكن من المناصرين للقضية الفلسطينية.

وأكد أن رفع العلم الفلسطيني في الدول الأوروبية يساهم في تعريف شعوبها بالقضية الفلسطينية، خاصة في هذا الوقت الذي تتعرض فيه للمؤامرات الأميركية والإسرائيلية، وتقديم شرح عن فلسطين التي تقع تحت الاحتلال منذ 72 عاما.

وأشار إلى أن التفاعل مع هذه الحملة محليا، تركز في بعض مناطق طولكرم وجنوب الضفة، قرى كاملة استجابت ورفعت العلم الفلسطيني على أسطح المنازل وأعمدة الكهرباء، منها بلدتي صيدا وكفر عبوش في طولكرم، بلعين غرب رام الله التي رفع فيها العلم على سارية كبيرة، خربة أبو فلاح شرق رام الله نصبوا سارية كبيرة ويواصلون رفعه على كل المنازل، وهناك سارية العلم غرب مدينة طولكرم وهي الأطول في فلسطين التي تطل على مناطق 1948، ما يبعث على الاعتزاز والشعور بالفخر لدى كل فرد فلسطيني يدخل هذه القرى، في نفس الوقت إن معظم هذه المناطق على تماس مع المستوطنات وهي رسالة لهؤلاء المستوطنين أنهم يعيشون على أرض فلسطينية سرقوها دون وجه حق.

وأكد أنه سيستمر في الحملة بهدف تعميمها على  كل بيت ومبنى، يجب أن يرفع علم فلسطين في كل فعالية ويكون في مقدمة كل الرايات في الوطن، وسيتم تنفيذ الحملة بطرق مختلفة لكسر الجمود في هذه المبادرة، لتصل إلى أكبر قدر من أبناء شعبنا في فلسطين وخارجها، خاصة في المدارس والجامعات.