اخر الاخبار
صمت أمام المحرقة

نابلس 1-8-2018 وفا- بسام أبو الرب

تتناثر ثمار الزيتون امام مدخل منزل عائلة دوابشة التي احرقها مستوطنون على حالها منذ ثلاث سنوات، في قرية دوما جنوب شرق نابلس، ولم يلمسها احد منذ تلك المحرقة الأليمة، التي راح ضحيتها الأب سعد (32 عاما)، والأم ريهام (27 عاما)، والطفل الرضيع علي (18 شهرا)، فيما لا تزال بعض الثمار منتصبة على الشجرة التي لم تطالها النيران.

في الحي الذي لم يعد كما كان قبل الحادي والثلاثين من تموز عام 2015، حيث كانت اصوات اطفاله واحاديث نسائه تملأه، اليوم وبعد ثلاث سنوات، يعم الصمت ارجاء المكان.

يفتح عزت دوابشة ابن شقيقة الشهيد سعد، باب منزل خاله فيدخل الجميع، يتجول ويتفقد المكان الذي بقي على حاله، منذ ثلاث سنوات، فدراجة الناجي الوحيد من المحرقة الطفل احمد دوابشة ما زالت فوق الركام، المقاعد والاثاث على حالها، حتى الثلاجة على حالها بما فيها من علب دواء للأطفال، ونصف علبة حمص وأوانٍ اخرى فارغة.   

بعد دقائق معدودة سمع الجميع صوت قطة واثنين من صغارها، داخل احدى المقاعد بالقرب من باب المنزل الذي احتمى الناجي من المحرقة احمد وراءه، عندما هاجم المستوطنون منزله مرة اخرى بعد حرقه واخذوا يرقصون على اوجاع العائلة.

غادرت القطة الأم المكان، وتركت صغارها تبحث بين كومة من البطانيات والملابس المحترقة؛ لتحمي نفسها من الغرباء.

الشاب عزت (23 عاما)، يعود في ذكرياته عندما كان يدخل منزل خاله، فيقول "هنا كانت زوجة خالي ريهام، تعطيني دروسا في الرياضيات عندما كنت في الثانوية العامة، وكيف كان خالي يداعب ولديه احمد وعلي، ويتحدث عن احلامه بأن تصبح له عائلة كبيرة".

ويتحدث عن اعمدة الاسمنت الواقفة امام المنزل، التي تعود للشهيد سعد الذي باشر العمل فيه قبل أشهر من الحادثة، الا أن القدر لم يمهله الكثير لإنهائه، ثم يعود لوصف الخطوات التي مشاها سعد وزجته عندما حملت البطانية، بعد استهداف المنزل بزجاجات حارقة، وكل ظنها ان طفلها الرضيع علي بداخلها، وكانت الفاجعة انها فارغة، والرضيع يحترق بنيران المستوطنين.

اغلق الشاب عزت دوابشة باب المنزل المحروق، وفتح يديه بالدعاء لأخذ الحق من المستوطنين الارهابيين، بعد ان اقرت المحكمة المركزية في مدينة اللد، بإلغاء جميع الاعترافات التي "انتزعت تحت الضغط الجسدي" عن احد المتهمين في قضية محرقة عائلة دوابشة، وقضت بأن معظم اعترافات المتهم الرئيسي مقبولة، فيما رفضت قبول اعترافات المتهم الاخر وهو قاصر، حسب مصادر عبرية.

في الجهة الشمالية من بلدة دوما يعيش الطفل دوابشة الناجي الوحيد من المحرقة، بين احضان عائلة جده لوالدته حسين دوابشة، الذي بنى فيه عالمه الخاص بعيدا، وما زال يتذكر كل لحظة كلما حك جسده، الذي اكلت النيران منه الكثير، فمسيرة العلاج طويلة جدا.

ويؤكد الجد دوابشة (53 عاما) ان رحلة علاج الحروق التي تغطي اكثر من 60% من جسد الطفل احمد طويلة، ويخضع لعملية ليزر كل ثلاثة أشهر.

العائلة كلها تركت المكان.

"الطفل احمد احتفل بعيد ميلاده الثامن في التاسع عشر من تموز الماضي، كبر وزادت معاناته واصبح يعي ويدرك اكثر، واصبح الجرح عميقا، وزادت اسئلته واشتياقه لأبويه"، يقول الجد حسين دوابشة.

ويضيف: "بعد ثلاث سنوات زادت المعاناة اكثر، فقبل عشرين يوما استيقظ من النوم قريب الساعة الثانية فجرا، واخذ ينادي يريد الذهاب الى امه وابيه، بعد رؤيته حلما بأنهما سافرا وتركاه وحيدا".

 في كل مرة يحاول البعض سؤال الطفل دوابشة عن الحروق في جسده، يتهرب من الاجابة، فيقول "نحن اتفقنا الحديث عن الخيول فقط".

 الطفل دوابشة يحب الحيوانات كثيرا، الا القطط التي يعتبرها مزعجة ويكره وجودها في المنزل، وهو لا يعلم انها اصبحت الان تقطن منزله المحروق الذي هجره منذ ثلاث سنوات ولم يزره قط.

رعد اسم الحصان الذي امتلكه الطفل احمد قبل شهور واصبح صديقا دائم الحديث عنه، فأحلامه بامتلاك مزرعة يربي فيها حيوانات أليفة.

ودع الطفل دوابشة ضيوفه، بعد امنيات بلقائه في مزرعته الخاصة، التي يحلم بها وتكاثرت فيها الحيوانات وامتدت عائلاتها.