اخر الاخبار
سيّد المواسم

 

 

 

 

طوباس 21- 10- 2019 وفا- إسراء غوراني

في هذا الوقت من كل عام، تعود الحياة للجبال وسفوحها في مختلف مناطق الريف الفلسطيني مع انطلاق موسم قطاف الزيتون، فنجد آلاف المزارعين يتجهون لأراضيهم لقطف الزيتون في أجواء يغلب عليها الفرح والتسلية الممتزجة بالتعب، وهو ما يميز موسم الزيتون عن غيره من المواسم.

مع اللحظات الأولى لشروق الشمس تعج طرقات القرى الفلسطينية بالمواطنين من كافة الأعمار المتجهين إلى أراضيهم، منهم من يذهب في سيارات، ومنهم من يركب الجرارات الزراعية، ومنهم من يذهب على دابة أو مترجلا على قدميه.

كما تعج الطرقات مجددا مع ساعات الغروب عند مغادرتهم الأراضي  حاملين معهم ثمارهم التي جنوها طوال اليوم وأمتعتهم التي يستخدمونها.

يقول الباحث في الموروث الشعبي الفلسطيني حمزة العقرباوي: إن موسم الزيتون يتميز عن غيره من المواسم كون الزيتون يشكل قوت الفلاح وسلته الغذائية، فالمثل الشعبي يقول "القمح والزيت سبعين في البيت" ومثل آخر يقول "إذا عندي قمح وزيت صفقت وغنيت"، وهذا يدلل على أن هذين المحصولين هما عماد قوت المواطن الفلسطيني، كما يدخل زيت الزيتون في أغلب أطباق المطبخ الفلسطيني.

ولا تقتصر فائدة شجرة الزيتون لدى الفلاح الفلسطيني على ثمارها وزيتها، حيث يستفيد من حطبها للتدفئة، كما يتم الاستفادة من "الجفت" وهي بذور الزيتون التي تخرج بعد عصره والتي تستخدم كوقود للنار.

ويضيف العقرباوي أن الزيتون في الموروث الشعبي الفلسطيني "يرث الأرض"، فالمعروف أن أغلب أنواع الأشجار التي تزرع في الأرض لا تعمر كما يعمر الزيتون، وبالتالي الزيتون هو الشجر الوحيد الذي يرث الأرض أي أنه يبقى فيها ويثبت ملكيتها لأصحابها، وقديما كان يقاس مدى ثراء الفلاح ورأس ماله بعدد أشجار الزيتون التي يمتلكها.

لا يمر موسم الزيتون مرور الكرام كغيره من المواسم، فهو يكاد يكون الموسم الوحيد الذي يحافظ على مكانته المميزة وحضوره بالرغم من تطور الحياة وحداثتها، فهذا الموسم له طابع الرحلات  والسياحة العائلية في الأماكن البرية، وكون المزارعين يمكثون في الأرض طيلة النهار يتطلب ذل تحضير الطعام والشراب في أجواء الطبيعة الخلابة، لذلك لا بد من وجود طقوس خاصة تميزه.

يتميز موسم الزيتون باعتباره موسم العائلة، كما يقول العقرباوي، ويشارك فيه أفراد الأسرة من كل الأعمار، كما يسميه المزارعون "موسم العونة والفزعة" فالناس يتعاونون معا في قطف الثمار، ويرددون أهازيج بسيطة يقولون فيها "من عاونا عاوناه ومن عاونا أعانه الله"، وهو بذلك يعيد بناء العلاقات الاجتماعية بين الناس.

ويضيف: من العبارات التي تتردد طيلة موسم الزيتون "ع النار" وهذا يعني أن الشاي أو القهوة على النار، فتحضير المشروبات الساخنة على مواقد النار خلال موسم الزيتون يعتبر ركنا أساسيا في الموسم وبدون ذلك يفقد الموسم نكهته.

كما يتم إعداد "قلاية البندورة" على النار لتناول الفطور، وهو الطبق الشعبي المفضل خلال موسم الزيتون، ويلاحظ بين الساعة التاسعة والعاشرة صباحا تصاعد الدخان من كافة أراضي الزيتون في الريف، وهو دخان المواقد المشتعلة تزامنا مع وقت الاستراحة الأولى لقاطفي الزيتون.

ورغم اختلاف الوظائف والمهن التي يعتاش منها الفلاحون، إلا أنهم جميعا يعودون إلى الأرض في موسم الزيتون لجني محاصيلهم، فهذا الموسم لا يفقد أهميته ورونقه حتى في عصر الحداثة.

ويتخذ الزيت والزيتون حيزا كبيرا من الأمثال الشعبية الفلسطينية، ويقول العقرباوي: إن الأمثال هي انعكاس للحياة والبيئة التي نعيشها، وحضور أي شيء فيها يدلل على أهميته، وهذا يفسر الحديث عن شجرة الزيتون وثمارها وزيتها في عشرات الأمثال من التراث المحكي والمروي.

ولا يقتصر الأمر على ذلك، فهي دائمة الحضور في الغناء الشعبي والأهازيج والعتابا، والكثير من هذه الأغاني إما تمدح شجر الزيتون والأرض المزروع بها، أو تتحدث عن ثمارها وزيتها، كما أن هناك الكثير من الأغاني التي تتحدث على لسان الشجرة وحبها لسماع صوت صاحبها.

بدوره، يرى المختص في التاريخ والمهتم بالتراث غسان دويكات، أن موسم الزيتون بقي الموسم الأساسي لدى الفلاح الفلسطيني في مختلف مراحل التاريخ الفلسطيني، وحتى في ظل التطور والحداثة لم يفقد هذا الموسم أهميته وبقي موسما مفصليا في حياة المزارع.

ويوضح دويكات أن موسم الزيتون يحظى بكل هذه الأهمية كون شجرة الزيتون شجرة مباركة ومذكورة في القرآن الكريم، بالإضافة لكونها شجرة معمرة وذات فوائد عظيمة، ويتم الاعتماد على محصولها وزيتها في القوت الأساسي للبيت الفلسطيني.

ويتابع: الفلسطينيون يبدأون الاستعداد لموسم الزيتون كل عام بأجواء من الفرح والبهجة فيجهزون كل ما يلزمهم من أدوات ويتجهون لأراضيهم ويستغرقون أياما وأحيانا أسابيع في قطاف ثمارهم، وفي نهاية الموسم يحصلون على نتيجة تعبهم من زيت الزيتون الصافي الذي يحتفظون بكمية وفيرة منه مونةً لعيالهم، بالإضافة للتجارة به والحصول على مصدر دخل منه.

ويشير دويكات إلى أن موسم الزيتون يبقى موسما مهما كونه يتخذ طابعا وطنيا، فتعتبر شجرة الزيتون رمزا للهوية الفلسطينية والصمود في الأرض لمواجهة محاولات الاقتلاع التي يمارسها الاحتلال.