اخر الاخبار
تونسية الاصل وفلسطينية الإقامة، تنوعت اعمالها ىبين شعر ونثر و برامج ثقافية تلفزية واذاعية وثائقية

لقاء مع الشاعرة والاعلامية كوثر الزين

الاحد 31 كانون اول (ديسمبر) 2018

محمد فرج

تونسية الاصل وفلسطينية الإقامة، تنوعت اعمالها ىبين شعر ونثر و برامج ثقافية تلفزية واذاعية  وثائقية اضافة الى كتابة السيناريو الدرامي  كان لنا معها هذا الحوار.

 

سؤال:  لو أردنا ان نقدم للقارئ ( بورتري ) لفظي عن كوثر الزين . فمن تكون ؟

الجواب :

لعلّي موجة من غرب المتوسط أتى بها المدّ الى مشرقه . كانت فلسطين المكان حلما لطالما راودني . اما فلسطين التاريخ والمعنى فقد حملناه في جيناتنا جرحا وحقا ضائعا منذ ولادتنا ،حتى قبل  أن نعي تفاصيل الصراع . أستطيع ان أقول اني حملت معي فلسطين المتخيَّلة الى فلسطين الحقيقة حين رافقت زوجي طريق العودة الى جزء منها اواخر عام 1994 اثر اتفاقات  أوسلو . سكنتني  فلسطين قبل ان أسكنها ، كما تسكنني الآن تونس (وطني الأم ) بعد ان تغيّر مقامي لأعيش في فلسطين . فللأمكنة والمدن روح   تتواصل وتتخاطر معنا.  ليست الأوطان محض تراب وماء وسهول وبحر ، هي أيضا ذاكرة و وعي فردي وجمعي وانتماء  و هوية . ولعلّ فلسطين بما تحمله من ثقل حضاري و روحي  وبُعد قومي وقداسة دينية هي هويّة لنا جميعا كعرب من المحيط الى الخليج . ليست سايكس – بيكو بالنسبة لي سوى  حدود  اصطناعية   فرضتها قوى الاستعمار الغربي  قسرا على جغرافيتنا ، أما وعيا وايمانا فأعترف و أفتخر أنني قومية عروبية بامتياز .

سؤال :  و ماذا عن الشاعرة والاديبة في فلسطين ؟ هل اختلفت المفردات ؟

جواب :

أتيت فلسطين و أنا أحمل قلمي الذي شاء حبره ان يتفجر في ثناياها .  لم أكن في البداية أملك غير قلم يسندني في لحظات الشوق العسيرة الى الوطن (تونس ) كي أرمم به وجع المسافات و حرقة الفراق . او أعبر به عن نقصان اكتمال الحلم وانا أعود مع العائدين الى جزء صغير من فلسطين التاريخية حيث لا زال الاحتلال يمارس في شوارعها ومداخل مدنها وقراها حضوره البغيض . كان لا بد للقلم ان يـرمم ما تشوّه او نقص من جغرافيا الحلم وكانت  فلسطين صفحة  لا متناهية لانسياب الحبر . ورغم دراستي و عملي في مجال التخدير الطبي ، وجدتني أنحاز للقلم و أتخلى عن وظيفتي لأتفرغ للكتابة . لم يكن الشعر مهنة كي أحترفها  وهو  الأسمى من ذلك بكثير .  . الا انني اتجهت الى كتابة المقال الادبي و الفكري فكتبت بجريدة الحياة الجديدة   . كما كان لي عمود نصف اسبوعي في ملحق صوت النساء الصادر عن طاقم شؤون المرأة الى جانب كتابات متفرقة في صحيفة الايام و مجلة المنار  وغيرها .... اما ما كرّسني ككاتبة عربية فأدين به لدار الصدى الاماراتية حيث منحتني على امتداد اثني عاما متواصلة (  2002-2010 ) صفحة اسبوعية (تحت عنوان : العين الثالثة ) في مجلتها  الصدى .    وصفحة شهرية بمجلتها الشهرية شهرزاد (2010-2013) (تحت عنوان :ما لم تقله شهرزاد ) .  ورغم اغلاق دار الصدى وانتهاء التجربة الا انها بصمتني لدى قراء من  المحيط الى الخليج  لا زلت الى الأن اتلقى رسائلهم وسؤالهم .

 

سؤال : يقال ان لكل كاتب طقوس خاصة به عند الكتابة .   فما هي طقوسك  ؟

لا انكر اني من محبذي بعض الطقوس كالمكان الهادئ ورائحة العطر   والاضواء الخافتة برفقة الموسيقى الهادئة (   معزوفات شوبان و كيتارو او نيكوس  مفضلات لدي ) هذه الاجواء تمنحني عزلة روحية وطاقة تركيز عالية . لكن هذا لا يعني انه بدونها تستحيل الكتابة . تبقى في النهاية خيارا محبذا وليس شرطا أساسيا كي أكتب.

 

سؤال :  بين  النص الشعري  وغيره من اصناف الكتابة . هل تختلف  الحالة المزاجية ؟

 

كان الشعر ولا يزال  ترفي الأسمى وعالمي السحري .وسيبقى الشعر الى أبد الآبدين أسمى انواع الكتابة على الاطلاق . ذلك انه اكثر فنون الكتابة اشتراطا  لشرارة الموهبة. و من لا يملك هذه الشرارة السماوية من الافضل ان يتجه الى صنف اخر من الكتابة  ما عدا الشعر . إنه شيء بالفطرة مهما اختلفت الذائقة . الشعر ليس صناعة حتى وان كان للصناعة أهمية تأتي في مرحلة ثانية ، مرحلة التنقيح والمراجعة و تطوير ادوات اللغة. اهمية هذه المرحلة الثانوية انها  تصقل الشاعر الموهوب بالفطرة . لكنها لا تصنع موهبة فطرية . وهذا ما تناوله الجاحظ وابن قتيبة والجرجاني  ... في حديثهم  عن الفرق بين  الشاعر المطبوع  والشاعر الصانع  المتكلف .وان كنت ارفع عنه صفة شاعر  

بخصوص سؤالك عن  الحالة المزاجية  فلا شك انها  تختلف فيما يخص كتابة النص الشعري عن اي نص   ذلك لأن اللحظة الشعرية   لا يمكن اغتصابها أو إسحضارها رغما عنها ،  او تقرير متى يمكن ان تكتب قصيدة أم  لا .  لا توجد عمليات قيصرية لميلاد نص شعري .  هي حالة غامضة ذات  توتر داخلي عالي تنتابك دون موعد مسبق  وتترجم عن ذاتها بذاتها . ما عليك سوى ان تحتضنها وتتماهى معها بكل ما أوتيت من أدواتك العاطفية والذهنية واللغوية . وهو ما يختلف عن اصناف الكتابة الاخرى .

 

بعيدا عن النص الشعري كانت الكتابة بالنسبة لي  جهدا يوميا مقرونا بخزان وقود ضروري ألا وهو القراءة الدائمة (هوايتي المفضلة ) لا يمكن لأي كاتب يحترم قلمه و يخشى عليه  من الجفاف والتسطيح وتكرار الذات الا ان يحترف القراءة احترافا و نشاطا يوميا . لم أسع يوما لملء الورق  فيما أكتبه بل ان ألامس الوعي والعقل.وقد حدث معي كثيرا ان قرأت مجموعة من الكتب من مئات الصفحات حول موضوع واحد لأكتب مقالا واحدا من صفحتين  او نصا نقديا .

 

سؤال :   هل لديك كتب مطبوعة و منشورة ؟

جواب :

عدد كتبي يفوق السبعة كتب بين شعر ونثر . لكن المطبوع منها فقط ثلاثة :

 - شاهد على العصر الحجري        - مقابسات العين الثالثة        - لِمَيْس السموأل

هناك ازمة نشر و موازنات . لعلي أحد ضحاياها

 

سؤال : من الكتابة الشعرية والأدبية  والصحافة الثقافية المكتوبة  الى الشاشة . كيف ذهبت الى  مجال الاعلام المرئي والمسموع وهل من رابط بين الكتابة بالحبر والكتابة بالصورة ؟

 

الجواب :  

الحقيقة انني لم أذهب ال الاعلام المرئي ، بل هو من أتاني  على طبق من صدفة جميلة . لعلها من اجمل صدف حياتي .  أدين بها الى الاستاذ  ابراهيم سمور أستاذي الاول الذي اختارني وعلمني اول أبجديات لغة الكاميرا .  .  عام 2006 وعلى اثر مؤتمر أدبي كنت أحدى المشاركات فيه . اتصل بي هاتفيا شخص لا أعرفه   وقدم لي نفسه كمخرج في تلفزيون فلسطين مضيفا انه  يرى  انني اتمتع بصوت اذاعي وحضور  ويرغب في ان اقدم برنامجا تلفزيونيا ثقافيا ادبيا متخصصا وعميقا .   لم ارفض العرض وكانت التجربة التي استمرت الى الآن وكرستني معدة ومقدمة برامج ثقافية موظفة  بهيئة اذاعة وتلفزيون فلسطين . حيث أعددت وقدمت عدة برامج ثقافية  تلفزية واذاعية ايضا (   منها : على لسان عبقر -  خير الجلساء -  مرايا قزح – ريشة ونغم – مرايانا .....وغيرها )

 

سؤال :  لكن التجربة لم تتوقف عند ذلك . فقد توجهت ايضا الى الوثائقيات

 

الجواب :  فعلا ...هذا ما حدث . البرامج والافلام الوثائقية كانت  لها مساحة من اهتمامي  . تستهويني شذرات السرد الموزعة على خارطة السيناريو  حين تقطعها  الصورة لتساوي الف كلمة . أجد في هذا  المزيج من الصورة الناطقة التي تتخللها اللغة لتملأ بعض فراغاتها  او تربط مشاهدها او تؤطرها نوعا مختلفا من التعبير المكثّف والمدروس . رسم السيناريو على الورق  وتوزيعه بين لغة ترى ولغة تسمع تجربة ممتعة ومختلفة .

 

سؤال :  لكن ربما سيناريو الدراما مختلف عن سيناريو الفيلم الوثائقي . خضت هذا المجال ايضا وكان لك تجربة اذاعية  مع المسلسل الاجتماعي ( انا حواء يا آدم ) الفائز عام 2016 بالجائزة الفضية في مهرجان عمّان الاعلامي

 

جواب :

(انا حواء يا آدم ) كان تجربة مختلفة تماما .تغيرت فيها كل الادوات .فالمسلسل كان اجتماعيا  بامتياز يتطرق لقضايا و هموم المرأة في المجتمع  . ووجدتني لأول مرة أكتب  باللهجة العامية المحكية على لسان شخوص من بيئات مجتمعية مختلفة . ركزت على الفكرة والمضمون والرسالة من خلال عمق الحوار بين الشخصيات. و  رغم ان الكثير من  الحلقات اخذت الطابع الكوميدي في طرحها لكن الرسائل كانت واضحة وهادفة و ذات مغزى .  وقد لاقى المسلسل استحسانا اكثر مما توقعته  . ربما لأنه لامس هموم الناس اليومية .

 

سؤال :  وماذا عن ( بنت الشمس ) تجربتك الدارمية  الثانية التي تنتظر النور وهذه المرة تلفزيونية ؟

جواب :( بنت الشمس ) عمل ضخم من ثلاثين حلقة تلفزيونية يجمع نجوما عربا وفلسطينيين . صاحب الاقتراح والفكرة هو المخرج سعيد البيطار  وقمت انا بصياغة الحبكة  وتأليف  سيناريو المسلسل .  كان من المفترض ان يرى النور ويتم انتاجه ليبث رمضان 2018 من قبل قناة ال(ام بي سي ) بعد ان وضعته على طاولة لجنة الدراما لدراسة الموازنة   قبل أكثر من عام  ، لكن التطورات السياسية في المملكة العربية السعودية وحبس صاحب القناة الوليد آل ابراهيم الذي عقبه تغيير في ادارة وسياسة القناة أجهض المشروع .  نتمنى ان يرى النور قريبا . لازلنا انا وسعيد البيطار نسعى لتمويله  سواء محليا ام خارجيا . و لن نيأس .

سؤال :  اخيرا ...ما هو السؤال الذي توقعت ان تجدينه بين اسئلتي ولم اسأله ؟

جواب : ربما سؤال عن مساحة التفاؤل في ظل كل ما يدعو ال اليأس من حولنا . للاسف وضعنا العربي يسوء و يتراجع عقدا بعد عقد وفلسطين و شعبها اول واكثر من يدفع ثمن هذا التقهقر العربي . الثورات العربية بعضها فشلت وبعضها لا تزال مهددة بالفشل والفوضى .  أمل  الوحدة العربية الذي نشأنا نرضع من أحلامه   اصبح حلما طوباويا لجيل قديم . وبدل الوطن العربي الكبير اصبح مفروضا علينا ان  نواجه مشروع الشرق الاوسط الكبير اوالجديد كوجه اخر لنيوكلونيالية تقودها العولمة بأدوات جديدة ثقافية واقتصادية  وسياسية لا تخلو منها العسكرية التقليدية والتي لا تزال حاضرة بأفتك أسلحتها .  امام هذا الوضع المزري تسعفني مقولة انطونيو غرامشي  " ان تشاؤم العقل لا يقاومه الا تفاؤل الارادة "

فعلا لا بد ان نحتفظ  بتفاؤل الارادة مهما كان الواقع مزريا . لعلها حصننا الباقي في وجه كل هذا القبح .