اخر الاخبار
الخط القاتل

القدس عاصمة فلسطين/ غزة 30-3-2018 وفا- محمد أبو فياض

تفرض سلطات الاحتلال الإسرائيلي على المنطقة الحدودية شرق قطاع غزة، منطقة عزل قاتلة، متعمدة إطلاق النار على كل من يقترب لتلك المنطقة، ليصبح الشريط الفاصل "الخط القاتل".

المزارع محمد عطا أبو جامع (59 عاماً)، من سكان شرق خان يونس جنوب القطاع، كان آخر من قبر في تلك المنطقة، فعند حوالي الساعة 12:30 من مساء يوم السبت 3/3/2018، فتحت قوات الاحتلال النار تجاه المزارعين والأراضي الزراعية الواقعة إلى الشرق من حي النجار شرقي خان يونس، معلنة استشهاد أبو جامع الذي أصيب حينها بعيار ناري في الفخذ الأيمن، وشظاياً أصابت الأمعاء وتسببت بنزيف داخلي.

ووفق شهادة المزارعة عائشة نصار أبو جامع (85 عاماً) والتي كانت تعمل في أرضها المحاذية لأرض محمد أبو جامع لحظة الحدث، قائلة " كنا نعمل على اقتلاع الأعشاب ورعاية المزروعات، وكانت الأجواء هادئة، وتبعد أرضنا حوالي 200 متر عن الشريط الفاصل فقط.

وعن تلك المنطقة، قال نائب مدير دائرة البحث الميداني في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان ياسر عبد الغفور: إن مصطلح المنطقة العازلة يطلق على المساحات من الأراضي وفي البحر، والتي أعلنتها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي وبشكل منفرد وغير قانوني، كمناطق يحظر الوصول إليها على امتداد الحدود الشرقية والشمالية البرية وبحر قطاع غزة، وذلك في أعقاب إعادة تموضع قواتها خارج أراضيه في العام 2005. وإن قوات الاحتلال صعدت من اعتداءاتها ضد السكان المدنيين الفلسطينيين، في تلك المنطقة.

وأضاف إنه خلافاً لقواعد القانون الإنساني الدولي، منعت تلك القوات سكان القطاع المدنيين من الوصول إلى ممتلكاتهم فيها وحظرت على صيادي القطاع دخولها والصيد فيها، مشيرا إلى أن مساحة ومسافة "المناطق العازلة" تختلف بين فترة وأخرى وفقاً لإعلان القوات المحتلة الإسرائيلية، دونما اعتبار لقواعد القانون الدولي بحظر إجراء أي تغييرات على الأراضي المحتلة.

وبين عبد الغفور أن المنطقة العازلة تمتد ليصل تأثيرها لمسافة ما بين 100 متراً إلى 1500 متر في بعض مناطق حدود القطاع الشرقية البرية، فيما تتراوح بين أكثر من ثلاثة أميال إلى 9 أميال بحرية في بحر غزة، وفقاً لما تسمح به القوات المحتلة.

وأشار إلى أن التطورات الميدانية تبين أن قوات الاحتلال قد صعدت من اعتداءاتها ضد السكان المدنيين الفلسطينيين، بمن فيهم المزارعين والصيادين، ومنعتهم من الوصول الآمن وبحرية إلى أراضيهم وإلى مناطق الصيد، وهو ما يمثل انتهاكاً لحقوقهم وفق المعايير الدولية لحقوق الإنسان، بما في ذلك حقهم في الأمن والسلامة الشخصية وحماية ممتلكاتهم، وحقهم في العمل، والحق في مستوى معيشي لائق، والحق في أفضل مستوى من الرعاية الصحية يمكن الوصول إليه. 

وتابع عبد الغفور: "يمثل فرض (المنطقة العازلة) عبر إطلاق النار، والذي أدى غالباً لاستهداف مباشر للمدنيين، جريمة حرب، حيث تشكل عمليات القتل تحت هذه الظروف جريمة قتل عمد، وهي مخالفة جسمية لاتفاقيات جنيف للعام 1949".

إلى ذلك، قال أمين سر المكتب الحركي المركزي للفلاحين في قطاع غزة عبد الستار شعت: إن قوات الاحتلال تتعمد بشكل شبه يومي، إطلاق نيران أسلحتها الرشاشة صوب المزارعين وكل من يحاول الاقتراب من المنطقة، التي فرضتها على طول الحدود مع القطاع، والذي زادت وتيرته مؤخرا بهدف ترهيب وتخويف المواطن والمزارع من الاقتراب من المنطقة.

وأضاف: "ما أن يقترب المزارع والمواطن من المكان حتى يمطره جنود الاحتلال المتمركزين في جيباتهم ومواقعهم العسكرية بالرصاص، وبات إطلاق النار الطريقة الوحيدة التي يتّبعها الجيش، لتعريف المسافة المحظور تخطّيها من قبل المزارع".

وأكد أن المزارع لا يستطيع العمل بحريّة واطمئنان في فلاحة أرضه الزراعيّة في المنطقة، مطالبا المجتمع الدولي بالتدخل الفاعل لوقف الانتهاكات الإسرائيلية وإلزام سلطات الاحتلال باحترام قواعد القانون الدولي في تعاملها مع المدنيين من سكان الأراضي الفلسطينية المحتلة.

من ناحيته، قال الباحث الميداني في جمعية "چيشاه–مسلك" محمد عزايزة، إن الجمعية بينت أن ّ سيطرة إسرائيل على قطاع غزّة لا تتوقف على معابر الحدود والبضائع، فإسرائيل تسيطر أيضا على المجالين البحريّ والجويّ للقطاع، بل وإنّها تسيطر على "منطقة عازلة" أعلنت عن إقامتها داخل أراضي القطاع.

وأضاف أن عرض هذه المنطقة العازلة يبلغ 300 مترا من الحدود، لكن جهات إسرائيلية رسمية ادّعت أن بإمكان المزارعين من غزة الوصول إلى مسافة 100 متر من الحدود "بعد التنسيق"، ولم تنجح الجمعية في العثور على أي دليل يثبت وجود تنسيق كهذا، وإنّ السّيطرة الإسرائيليّة على المنطقة القريبة من الجدار الحدوديّ لا تتلخّص فحسب بإطلاق النّار نحو المزارعين والمواطنين الذين يتواجدون فيها.

وبين أنه في نهاية العام 2015 اعترف الجيش الإسرائيليّ للمرّة الأولى بأنه يقوم برش المناطق القريبة من الجدار الحدودي في القطاع بموادٍّ قاتلةٍ للأعشاب، وذلك لكي يبقي المنطقة مكشوفة. وأن عملية الرّشّ هذه تضرّ بالكثير من المحاصيل على مسافاتٍ تتجاوز 300 متر بكثير، وهي بذلك تضر بأرزاق المزارعين، ومن غير الممكن معرفة ما هي آثار والضرر الذي سوف ينجم من رشّ هذه المواد على المدى البعيد.

وذكر عزايزة أن الجمعية قامت في 6-1-2015 بإرسال طلب معلومات حول سياسة المنطقة العازلة المحظور دخولها على سكان قطاع غزة، وذلك إلى ضابط توجهات الجمهور في مكتب تنسيق أعمال الحكومة في الأراضي المحتلة.

وأشار إلى أنه بعد استكمال عملية "فك الارتباط" في عام 2005، حددت إسرائيل منطقة عازلة قريبة من الجدار الفاصل بين إسرائيل وقطاع غزة، بحيث يُمنع اقتراب سكان القطاع إلى هذه المنطقة، وبعد العام 2010 امتدت "المنطقة العازلة" بشكل رسمي لمسافة 300 متر على طول الجدار، وتم بشكل فعلي تطبيق قرار منع الدخول إليها على يد سلطات الجيش الإسرائيلي، لكن ووفقًا لشهادات تم جمعها، يبدو أن فرض هذا القرار قد امتد على مساحات أكبر من تلك المُعلن عنها. وبسبب عدم الوضوح والتناقضات بين الشهادات المذكورة وتصريح الجيش، قامت الجمعية مرة أخرى بإرسال طلبات حرية المعلومات فيما يخص هذا الشأن.

وتابع: "مع انتهاء العملية العسكرية على قطاع غزة عام 2014 طالبت الجمعية الإسرائيلي (مركز للدفاع عن حريّة التنقل– هي مؤسسة حقوق إنسان إسرائيلية)، بتلقّي معلومات حول السياسة الراهنة بكل ما يتعلق في "المنطقة العازلة" ومنع الاقتراب إليها، على ضوء التغييرات التي يبدو أنها قد حلّت هناك بعد انتهاء العمليات القتالية في القطاع، مبينا أنهم طالبوا في إطار الالتماس معرفة ما هي المسافة القصوى من الجدار التي يُسمَح لسكان القطاع بالاقتراب منها، من هم المسموح لهم بدخول المنطقة، وما هي الإجراءات والترتيبات الإدارية اللازمة لتنسيق دخول الأشخاص إلى المنطقة العازلة.

كما وطالبنا بمعرفة ما هي الإجراءات المُتّخذة بهدف تعريف السكان بالإجراءات والسياسات المُحدّثة فيما يتعلق في "المنطقة العازلة" وما هي سياسة دخول المزارعين لهذه المنطقة بهدف فلاحة أراضيهم الواقعة في المكان.

من ناحيته، قال مدير شبكة المنظمات الأهلية أمجد الشوا: إن المنطقة موضع الحديث كانت تعتبر المصدر الأساس لإنتاج الغذاء في القطاع، خاصة وأنها من أخصب الأراضي الزراعية في القطاع، وحرمت قوات الاحتلال المواطنين في القطاع من الاستفادة من تلك المنطقة التي لا يعرف لها مسافة محددة، وبذلك يحرم المواطن من الوصول إليها والاستفادة منها زراعيا وتعميرها واستثمار مقدراتها المختلفة.

وأضاف أن تلك المنطقة كانت ذات مردود اقتصادي هام ومميز، غير أن سلطات الاحتلال نفذت بحق تلك المنطقة خطة ممنهجة لتدميرها والقضاء على كل مقومات الحياة فيها، خاصة في ظل عمليات الرش لمزروعات المواطنين بالمبيدات القاتلة من قبل طائرات الاحتلال وعمليات التوغل شبه اليومية وما يصاحبها من عمليات تجريف للأراضي واقتلاع الأشجار والمزروعات، إضافة إلى تدمير المنازل، ما حول تلك المنطقة إلى أرض قاحلة تخلو من كل شيء، بل أن كل من يتحرك فيها يتعرض للقتل من قبل قوات الاحتلال.

ودعا الشوا إلى تنمية تلك المنطقة وتعزيز صمود من فيها وتشجيع عمليات الزراعة وإعادة الاعمار، في ظل حشد مؤسسات المجتمع الدولي لتوفير الحماية من جرائم الاحتلال لكل من يقطن في تلك المنطقة.

إلى ذلك، تناول مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة "بتسيلم"، تلك المنطقة في تقرير له نهاية العام الماضي، تحت عنوان "مناطق ممنوعة"، أشار فيه إلى أن إسرائيل تتعامل مع المنطقة المتاخمة للشريط الحدوديّ من جهة القطاع على أنّها جزء من أراضيها وتستغلّها لخلق "حزام أمنيّ" مقتطعة إيّاها من قطاع غزة الضيّق أصلاً.

وقال إنه بعد اندلاع الانتفاضة الثانية حدّد الجيش مساحات واسعة متاخمة لحدود إسرائيل - غزّة (جزء كبير منها أراضي زراعيّة) ومنع الفلسطينيين من دخولها، ولم تصرّح إسرائيل عن هذه السياسة بشكل رسميّ كذلك لم يوضّح الجيش للسكّان أيّ المساحات بالضبط يُحظر دخولهم إليها، ممّا فاقم الأخطار التي يتعرّض لها السكّان.

وجاء في التقرير أنه لأجل إنفاذ هذا الحظر طبّقت إسرائيل في هذه المناطق تعليمات إطلاق نار تتيح إطلاق النيران على الفلسطينيين الموجودين داخلها حتى إذا لم يعرّضوا أحدًا لخطر، وأنه تبعًا لسياسات تطبيق قانون إسرائيل، لا يُستدعى أحد للمساءلة والمحاسبة على التسبُّب بوفيات تقع في المنطقة رغم أنّ إطلاق النيران يجرى دون أن يتهدّد الخطر حياة الجنود؛ وفي مناطق يعلم الجيش جيّدًا أنّها مأهولة بسكّان مدنيّين ومن هنا فقد استمرّ إطلاق النيران ووقوع الوفيات.

وبين أنه في الماضي زرع السكّان في هذه الأراضي الأشجار المثمرة ودفيئات الخضار، كما استخدموها لرعي الأغنام والأبقار التي يربّونها للاستهلاك المنزليّ، لكن بسبب سياسة إسرائيل وفي أعقاب تدمير الجيش لكثير من المزروعات في المنطقة اضطرّ مزارعون كثر إلى الانتقال لزراعة محاصيل تتطلّب عناية أقلّ وفي الوقت نفسه لا يستطيع الجيش الادّعاء أنّها تحجب الرؤية عنه.