اخر الاخبار
أين اختفى الغزال الجبلي؟

رام الله 23-7-2018  وفا-  يامن نوباني

تشير المصادر والتقديرات المتوفرة لدى مختصين ومهتمين بالبيئة والتنوع الحيوي، أن أعداد الغزال الجبلي الفلسطيني بين 500 و1500 غزال، ويعزا عدم وجود احصائية دقيقة أو حتى متقاربة لأعداد تلك الغزلان، إلى غياب المسح البيئي الشامل.

ويحتاج المسح البيئي الشامل لإمكانيات لا تتوفر لدى سلطة جودة البيئة، من زيادة في أعداد الموظفين والمراقبين والمفتشين البيئيين، ومركبات ومعدات خاصة بعملهم، وهو ما يتطلب ضخ ورفد دوائرها المعنية بالإمكانيات المادية والبشرية القادرة على مواجهة ما يتعرض له التنوع البيئي والحيوي في فلسطين من مخاطر، أبرزها: عدم الوعي لما تتعرض له من تغيرات وانتهاكات بفعل البشر، وصياغة قانون قوي ورادع لكل من يعبث بذلك التنوع الحيوي الفريد، وتشكيل شرطة خضراء (شرطة بيئية).

وفي ظل وجود قانون "هش"، لا يردع صيد الغزال الجبلي الفلسطيني، حيث المخالفة هي 20 دينارا أردنيا فقط، أو حبس ثلاثة أيام، تستمر إبادة الغزلان والتغني بتلك الإبادة عبر نشر صورة الذبيحة على مواقع التواصل الاجتماعي.

لم يبقَ من الغزال الجبلي الفلسطيني، إلا اسمه في الزغاريد والأغاني التراثية والشعبية، "سبل عيونه ومد ايده يحنوله، غزال صغير وكيف أهله سمحوله"، "وش هالغزال اللي عن دارنا مارق، خصره رقيق وبالعسل غارق"، "واردات ع النبع يا ملّايات، "واردات ع النبع سرب البنات، والطلعة طلعة غزلان مزينات".

ولشدة جمال الغزال، واسمه ودلالاته في الحب، استخدمه الشعراء في عناوين اصداراتهم الأدبية، وفي الأدب يُستعمل لفظ غزالة للصبية حلوة القوام.

عدة أسباب أرجعها مختصون ومهتمون في عالم الحيوان والطير والطبيعة والبيئة في فلسطين، لتراجع أعداد الغزال الجبلي الفلسطيني، واختفائه عن الأنظار بحدة؛ أبرزها الصيد الجائر والمتوحش، وعدم وجود شرطة خضراء، وكثرة الكلاب الضالة، وامتداد البناء العمراني والإنشاءات، وقلة الوعي لدى المجتمع بأهمية وجود الغزال كعنصر جمالي وحيوي في بيئة فلسطين.

يكاد معظم من ولد بعد العام 2000، أن رأى غزال الجبل مرة واحدة في حياته، أو مرتين، وربما لم يره أبداً، وذلك بعد أن خسرت طبيعة الضفة الغربية نحو 90% من غزلانها.

 

الغزال الجبلي من 10 آلاف أوائل التسعينات إلى بضع مئات اليوم

مدير دائرة التنوعي الحيوي في سلطة جودة البيئة، محمد محاسنة، يقول لـ"وفا": "في أواخر التسعينات كانت أعداد الغزلان في فلسطين تقترب من الـ10 آلاف، فيما قدر عدد عام 2010 بنحو ألفي غزال، أما اليوم لو وجدت دراسة احصائية لكان العدد قد لا يتجاوز الـ1500".

وأضاف: "دائرة التنوعي البيئي والحيوي، بحاجة لإمكانيات كثيرة حتى تتمكن من القيام بعملها في رصد ومسح البيئة"، لافتا إلى أن هناك حاجة لزيادة عدد الموظفين والمراقبين –عددنا محصور جدا- ومركبات خاصة للتجول وحماية المحميات الطبيعية، إضافة لمراكز لحماية الغزال وتكثيره وإعادة إطلاقه للطبيعة".

وتابع محاسنة: "هناك أمور منقوصة في القانون البيئي، وبحاجة لتحديث وتطوير، ليلائم ما أصبحت عليه القوانين والبروتكولات والاتفاقيات الدولية الخاصة بالبيئة والتنوع الحيوي".

وحول آلية مواجهة ما يتعرض له غزال الجبل الفلسطيني، قال: "ما نملك اليوم عمله هو إصدار كتيّبات للتوعية من مخاطر اصطياد الغزال الجبلي، وتعريف الناس بالغزال وطبيعته وأهميته.

وأشار محاسنة إلى أن أعداد الغزال الجبلي في تناقص خطير جدا، بسبب التعديات عليه وصيده الجائر، ومعاملته بوحشية من قبل الصيادين والمجتمع، مؤكدا ضرورة ايجاد شرطة خضراء تحمي البيئة وممتلكاتها.

وأوضح أن القوانين الحالية غير رادعة على الاطلاق وتعيسة، مبينا أنه في عام 2000 قمنا بصياغة وتقديم مشروع إنشاء دائرة ضبط عامة لمراقبة وضبط البيئة، وحمايتها، والحفاظ على تنوعها الحيوي.

وشدد على الحاجة الملحة لمركز "إكثار الأصل" من أجل حماية الغزال وتكاثره وإعادة إطلاقه للبيئة، وبحاجة أيضا لمستشفى ميداني للحياة البرية.

وأشار إلى وجود ثلاثة أنواع من الغزلان البرية في فلسطين، الأول: الغزال الجبلي الفلسطيني، وهو الأكبر والأكثر انتشارا، حيث يتواجد في معظم المحافظات وخاصة بيئة البحر المتوسط، والآن يتوجه أكثر نحو إلى المناطق الساحلية والشرقية والسهول المفتوحة.

والثاني: الغزال العفري "دوركس" وهو شبيه لدرجة كبيرة بالغزال الجبلي، أعداده أقل من الجبلي، ويتواجد في السفوح الشرقية والأغوار.

أما النوع الثالث، فهو غزال الأكاسيا، ويتواجد في فلسطين فقط في صحراء النقب، أعداده محدودة جدا، بين 25-30 غزالا، لذا تهتم فيه سلطة بيئة الاحتلال وتوفر له فرصة التكاثر في مراكز متخصصة ومن ثم تطلقه للبيئة.

 

الغزال بحاجة للألفة ومنع صيده لـ15 عاما

المحاضر في كلية الطب بجامعة النجاح، ومدير مركز الباشا العلمي للدراسات والأبحاث وليد الباشا، يقول لـ"وفا": إن أحد الأسباب المدمرة لاختفاء الغزال الجبلي الفلسطيني، هو الصيد المفرط، خاصة في أوقات تساقط الثلوج، ففي شتاء عام 2014 وحدها، قُتل 80 غزالا جبليا.

ويرى أيضا، أن انتشار الكلاب الضالة يساهم بشكل لافت في اختفاء الغزال، فهي تهاجم الغزال المولود حديثا. إضافة إلى العمران الذي لم يترك مساحة لهروب الغزال.

وبين الباشا أن الحلول كثيرة، أولها: وجود شرطة خضراء تمنع صيد الغزال، لافتا إلى أننا بحاجة لمنع صيده لـ15 عاما مقبلة، حتى نتمكن من استعادته بشكل طبيعي.

وأضاف: يلزمنا مشاريع لتكاثر الغزال، كما حصل مع المها العربية في الأردن، محميات ترعى الغزال وتكاثره، ثم يبدأ اطلاقه للبرية، ففقدانه يصيب "التناغم البيئي" بالتشويه؛ فالغزال غذاء للروح وصفاء جميل القوام والعيون واللون.

وأضاف: نحن بحاجة لتوعية بيئية وطنية حقيقية، الغزال الجبلي جزء من هويتنا الفلسطينية وتراثنا البيئي، ومثلما اعتبر عصفور الشمس الفلسطيني وسوسنة فقوعة رموزا وطنية، لا بد من اعتبار الغزال الجبلي رمزا وطنيا وتراثيا، وزيارة المحميات الطبيعية من قبل المجتمع، أفرادا ومؤسسات ومراكز، عبر المسارات والرحلات الطبيعية، وأيضا على وزارة التربية والتعليم أن تُولي تلك الأماكن أهمية في رحلاتها المدرسية.

وحول عملة الاحتلال (من فئة الـ100 شيقل) التي طبعت عليها صورة الغزال الجبلي، قال: إن تلك صورة لنوع من الغزلان اسمه "الايل" وقد أحضرت إسرائيل زوجين منها من إيران قبل ثورة الخميني، على متن طائرة خاصة لنقلهما فقط، نهاية السبعينات.

وقال الباشا: "عدة قرى في شمال الضفة تعرض فيها لحم الغزال للبيع، لدى الاحتلال عقوبة صيد أو قتل الغزال أن تستورد غزالا مكانه، وهذا مكلف ورادع، الغزال مقابله غزال، والحبس ستة أشهر، ويجب ان يكون القانون لدينا أكثر صرامة، لا يعقل أن يُغرّم من يصطاد أو يقتل غزالا، بـ20 دينارا أو الحبس ثلاثة أيام فقط، هذا لا يحافظ على الغزال ولا يعيده، لأن الصياد يبيع الغزال ب2000 شيقل، ولا يعجز عن دفع غرامته 20 دينار.

لماذا يسهل صيد الغزال: هناك مثل عربي يقول: "مقيل الغزال" أي مكان ما يرقد أو يقيل، حيث يعود من نفس الطريق ويستدل الصيادون على خطواته من روثه، وتنصب الفخاخ والمكائد التي تطيح بالغزلان.

وبين أن الغزال يتحكم في بوله كما يفعل الجمل، ويكفيه الندى على أوراق الشجر صباحا ليشعر بالرِّي، ويتغذى على أوراق الشجر، وخاصة أوراق العنب.

القانون لا يحمي "الغزلان"

قانون رقم (7) لسنة 1999 بشأن البيئة الفصل الخامس، المادة (41) يحظر صيد أو قتل أو إمساك الطيور والحيوانات البرية والبحرية والأسماك المحددة باللائحة التنفيذية لهذا القانون، ويحظر حيازة هذه الطيور والحيوانات أو نقلها أو التجوال بها أو بيعها أو عرضها للبيع حية أو ميتة كما يحظر إتلاف أوكارها أو إعدام بيضها.

الباب الرابع: العقوبات؛ مادة (71) كل من يخالف أحكام المادة (41) من هذا القانون، يعاقب بغرامة مالية لا تقل عن عشرين ديناراً أردنياً، ولا تزيد على مائتي دينار أو ما يعادلها بالعملة المتداولة قانوناً، والحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أيام ولا تزيد على أسبوعين، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

 

غزال الجبل الفلسطيني من "هش" إلى "معرض لخطر الانقراض"

في عام 2015 حذر تقرير لعلماء الحيوان أن غزال الجبل الفلسطيني بات معرضاً لخطر الانقراض، مشيراً إلى أنه لم يبق هناك إلا 2000 غزال من هذا النوع.

وأوضح التقرير أن أعداد الغزال الفلسطيني تناقصت بصورة كبيرة للغاية خلال السنوات الـ15 الماضية، وحذر من أنه إذا استمر تناقص أعداد الغزال الذي ينتشر في غابات القدس والمناطقة الحرجية الجبلية في الضفة الغربية، فقد يلقى مصير نظرائه في مصر وسوريا، التي يعتقد أنها انقرضت بالفعل.

وجاء التحذير على لسان خبير علم الحيوان البريطاني ديفيد مالون، وهو خبير في فصيلة الغزلان في الاتحاد الدولي لحماية البيئة - القائمة الحمراء (أي الحيوانات المعرضة لخطر الانقراض).

وجاء في رسالة مالون لصحيفة "غارديان" البريطانية، أن الاتحاد الدولي لحماية البيئة أعاد تقييم وضع الغزال الفلسطيني من "هش" إلى "معرض لخطر الانقراض".

وكانت فصيلة الغزلان في جنوب الشام وشبه الجزيرة العربية موضع قلق بالنسبة لخبراء علم الحيوان والبيئة، نظراً لكونها معرضة لخطر الانقراض.

وأوضح مولان أن فصيلة غزال الجبل الفلسطيني مختلفة جينياً عن فصيلة غزال شبه الجزيرة العربية، التي تنتمي لعائلة الظباء.

 

أين سلطة البيئة مما يجري لغزال الجبل؟

بحسب استراتيجية البيئة عبر القطاعية 2017-2022 ، فإن غياب قوة التنفيذ والتشريعات، وقلة الوعي البيئي لدى المواطن الفلسطيني، وضعف السلوك الذي يقدر ويحترم البيئة ويحافظ عليها، هي أبرز التحديات التي تواجه البيئة.

وتضيف الاستراتيجية: التشابك والتداخل وأحيانا التعارض في الأدوار والمسؤوليات والصلاحيات بين الجهات ذات العلاقة (الحكومية وغير الحكومية)، وعدم اكتمال المنظومة التشريعية للقطاع البيئي، بسبب حداثة التشريعات البيئية، والحاجة إلى تعزيز وتقوية سلطة جودة البيئة، ورفدها بالموارد المالية والفنية والادارية.

وتبين الاستراتيجية: ما زالت الموازنات الحكومية المخصصة للبيئة دون المستوى المطلوب. حيث أن نسبة المخصصات المالية للبيئة وحماية المصادر الطبيعية في الخطط الوطنية المختلفة لا تتجاوز 3% في حين بلغت نسبة الإنفاق على البيئة في عام 2014 أقل من 1%من الناتج المحلي، وهي مخصصات قليلة لا تتناسب مع أهمية البيئة.